من أين كل هذا الصمود والتفوق؟
2026-04-20
اخبار ذات صلة
-
test
2026-04-20 -
بسم الله الرحمن الرحيم
من أين كل هذا الصمود والتفوق؟
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ....﴾ الأنفال (60)
إن ما نراه من صمود وتميز وتفوق لدى الجمهورية الإسلامية في مواجهة العدو الصه..يو أمر..كي، ليس حدثا عابرا أو مواجهة طبيعية. لذا ينبغي أن نقف عنده كثيرا. وسأقف عنده من ناحية واحدة تمثل من وجهة نظري الركن الأساس الثاني في الصمود والتفوق الملحوظين في هذه المواجهة.
أيها الأحبة إنَّ نجاح أي دولة في مثل هذه المواجهات التاريخية لا يتحقق بمجرد البنية العقائدية التي يمتلكها هذا المقاتل أو ذاك؛ لأنها مهما كانت فهي لا تعدو كونها بنية فردية قد تزود صاحبها بالشجاعة والحماس والاستبسال، ولا تستطيع أن تصنع الفارق الملحوظ في مواجهة كالمواجهة التي نراها اليوم.
بل يقوم النجاح المذكور على أساس متين وقاعدة ركينة، تُعرف بالبناء المؤسسي الصحيح. فالدولة التي تُبنى بناء موسسيا، وفق رؤية ونظام وآليات وأدوات واضحة، تكون أكثر قدرة على الثبات، وأشد تأثيرا في الواقع. ولهذا كان البناء المؤسسي أحد أسرار النجاح في المشاريع الحضارية على مر التاريخ.
وسأذكر هنا _ لبيان هذه الحقيقة _ أبرز ملامح البناء المؤسسي الصحيح، حتى نتعرّف على أهمية البناء المؤسسي في ثقافة الدول العظيمة.
أولا: إنَّ البناء المؤسسي هو القاعدة التي يقوم عليها نجاح المؤسسة؛ لأن العمل إذا كان قائما على رؤية ونظام واضحين، وهيكل منظم، ولوائح محددة، وواجبات واستحقاقات، فإن ذلك يضمن وضوح المسؤوليات وتكامل الأدوار بين أفراد المؤسسة. فالمؤسسة القوية هي التي تحترم أسسها التنظيمية، وتلتزم برؤيتها ورسالتها وخططها، ولا تجعل العمل خاضعا للأمزجة الفردية أو الاجتهادات العشوائية. وكلما كان الالتزام المؤسسي أعلى، كانت قدرة المؤسسة على الثبات والاستقرار أكبر.
ثانيا: كذلك يحقق البناء المؤسسي الاستقرار والاستمرار. فالمؤسسات التي تعتمد على الأفراد، قد تتوقف بتوقفهم أو غيابهم، أما المؤسسات التي تُبنى على نظام واضح فإنها تستمر حتى مع تغير الأشخاص. ولهذا فإن البناء المؤسسي يجعل العمل مرتبطا بالمبدأ والنظام لا بالأشخاص، فيتحقق بذلك دوام الرسالة واستمرار العطاء عبر الأجيال، مهما حصلت مستجدات أو طوارئ في تاريخ المؤسسة.
ثالثا: عادة ما ينتج البناء المؤسسي مخرجات أكثر جودة وإتقانا؛ لأن وجود الأنظمة الواضحة والتخطيط الدقيق وآليات التقييم المستمر ينعكس مباشرة على جودة المخرجات.
فكل مرحلة من مراحل العمل تكون محسوبة، وكل مهمة لها معيار أداء، مما يضمن أن يكون المخرج النهائي أكثر دقة وتأثيرا. ومن هنا كانت المؤسسات الناجحة معروفة بجودة مخرجاتها وقوة أثرها في المجتمع.
رابعا: البناء المؤسسي الصحيح لا يكتفي بالحفاظ على الموجود، بل يفتح آفاقا للتطور والتوسع. فالمؤسسة التي تعمل وفق منهج مؤسسي تستطيع أن تتوسع في مشاريعها، وتوزع مهامها، وتفتح مجالات جديدة؛ وذلك لأن الهيكل المؤسسي يسمح بإضافة وحدات جديدة، وتوزيع المسؤوليات بشكل مدروس، مما يحقق العطاء المستمر والمنظم بدل التوسع العشوائي.
خامسا: ونقطة مهمة أخرى يتميز بها البناء المؤسسي، وهي أنه لا يبني المشاريع فقط، بل يبني الإنسان أيضا. فالبناء المؤسسي الصحيح يهتم بتأهيل العاملين، وتنمية مهاراتهم، واكتشاف قدراتهم، وتوجيهها في المكان المناسب.
وكلنا يعرف أن الفرد الذي يشعر بأنه جزء من منظومة واضحة، وأن جهده يُقدَّر ويُنمَّى، فإن ذلك يزيد من انتمائه للمؤسسة، ويعزز في داخله ووجدانه روح المسؤولية والعمل الجماعي فيها.
وبكلمة جامعة: إن البناء المؤسسي الصحيح للدولة، ليس مجرد تنظيم إداري، بل هو منهج في التفكير والبناء والعمل، يهدف إلى تحويل الجهود الفردية للمواطن إلى قوة جماعية منظمة. والمؤسسات التي تعي هذه الحقيقة وتلتزم بأسسها التنظيمية تكون أكثر ثباتا، وأقوى أثرا، وأطول عمرا في خدمة أهدافها ورسالتها.
فحيث يوجد البناء المؤسسي الصحيح للدولة، يوجد العمل الراسخ والإنجاز المتكرر، بما يصنع للدولة صمودها وتفوقها وبالنتيجة يصنع لها حاضرها ومستقبلها.
فهنيئا لإخوتنا في الجمهورية الإسلامية هذا الصمود وهذا التفوق، الذي ما كان ليتحقق لولا لطف الله العظيم، وأنفاس المولى صاحب الزمان عليه السلام، وقيادة المرجعيات الربانية التي سارت على خطى وهدي القرآن الكريم و السنة الشريفة.
وأخيرا نقول: الحمد لله الذي بشكره تتم النعم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الشيخ عباس الناصري
٢٠ رمضان المبارك ١٤٤٧هـ


